فصل: تفسير الآيات (13- 27):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التفسير القرآني للقرآن



.تفسير الآيات (13- 27):

{وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14) قالُوا ما أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ (15) قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَما عَلَيْنا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (17) قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (18) قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19) وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ (23) إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (24) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27)}.
التفسير:
مناسبة ضرب هذا المثل هنا، هو أن الآيات السابقة كشفت عن الطبيعة الإنسانية، وأن الناس على طبيعتين: أصحاب طبيعة متأبيّة على الخير، مغلقة الحواسّ عنه، لا يستجيبون له مهما جيء إليهم به من شتى الوسائل.. وأصحاب طبيعة أخرى مهيأة للإيمان، مستعدة له، متشوفة إليه، لا تكاد تهبّ عليهم نسمة من أنسامه العطرة، حتى يتنفسوا أنفاسه، ويملئوا صدورهم به.
وفى هذا المثل، عرض للناس في طبيعتيهم هاتين معا.
قوله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ}.
القرية.. والمرسلون إليها:
المفسّرون على إجماع بأن هذه القرية، هي أنطاكية.
وعلى إجماع كذلك بأن هؤلاء الرسل، هم من حواريى المسيح، ورسله الذين بعثهم لينشروا الدعوة في الناس.
وهذا التأويل للقرية وللرسل، لا يقوم له شاهد من القرآن الكريم، ولا تدل عليه إشارة من إشاراته القريبة أو البعيدة.. وإنما هو من واردات أهل الكتاب، وأخبارهم. والخبر هنا وارد من المسيحية، وينسب إلى وهب ابن منبّه، الذي تلقاه من المسيحية، مما يعرف عند المسيحيين بأعمال الرسل، الملحقة بالأناجيل.
فهذا التأويل- في نظرنا- لا يعوّل عليه، ما دام غير مستند إلى دليل من القرآن الكريم ذاته.. فالقرآن الكريم- في رأينا- يفسر بعضه بعضا، وهو كما وصفه الحق سبحانه وتعالى في قوله: {وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ} [89: النحل] فكيف لا يكون تبيانا لما فيه؟.
وندع القرية واسمها، والرسل والصفة التي لهم- ندع هذا الآن، ونعرض المثل على أن القرية واحدة من القرى المبثوثة في هذه الدنيا، وأن الرسل، هم بعض رسل اللّه إلى عباده.
فهذه قرية، قد جاءها رسل، مبعوثون من عند اللّه، وقد دعوا أصحابها إلى الإيمان، فلم يلقوا منهم إلّا الصد اللئيم، والقول القبيح.
أرسل اللّه سبحانه إليهم رسولين معا.. فكذبوهما.. {إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ} أي أمدهما اللّه برسول ثالث، يقوّيهما، ويشد أزرهما.. فلم يزدهم ذلك إلا عنادا، وإصرارا على الكفر والضلال: {إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ قالُوا ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ}.
ولم يكن للرسل بين يدى هذا القول المنكر، إلا أن يقولوا ما حكاه القرآن عنهم: {قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ}.
ويجيء ردّ القوم على الرسل، زاجرا مهددا:
{قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ}.
ويلقى الرسل هذا الرد الفاجر، بملاطفة، ووداعة:
{قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ} أي شؤمكم معكم، ومستقرّ في كيانكم الفاسد، الذي يمسك عليكم هذا الداء الذي أنتم فيه.. وليس هو شؤما واردا عليكم من خارج، فإن ما معكم من الشؤم لا يحتاج إلى مزيد.
{أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ} ألأن ذكرتم بما أنتم فيه من غفلة، وما أنتم عليه من ضلال، ترموننا بهذا الاتهام الكاذب الفاجر؟.
{بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} أي متجاوزون الحد في الضلال.
وينتهى موقف الرسل مع أصحاب القرية إلى هذا الطريق المسدود.
ثم لا يلبث أن يجيء صوت العقل، من واحد من أهل القرية، فيكسر هذا الحائط، ويدخل على القوم منه، ويأخذ موقفه مع الرسل، داعيا إلى اللّه.
{وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ}.
فأى دعوة أولى من هذه الدعوة، بالقبول لها، والاحتفاء بأهلها؟ إنها دعوة من أهل الهدى، الذين لا يسألون أجرا على هذا الهدى الذي، يقدمونه ويدعون إليه.
فلم التمنّع والإعراض عن خير يبذل بلا ثمن؟ ذلك لا يكون إلا عن سفه وجهل معا.
ثم يعرض هذا الوافد الجديد، نفسه عليهم، في الزىّ الجديد الذي تزيّا، والخير الموفور الذي بين يديه من تلك الدعوة.
{وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ}.
أسئلة إنكارية، ينكر بها الرجل على نفسه ألا يكون في العابدين للّه، الذي فطره، والذي إليه موعده ولقاؤه مع الناس، يوم الحشر، إنه لابد أن يكون له إله يعبده.. أفيترك عبادة من خلقه ورزقه، والذي يميته ثم يحييه.
ويعبد آلهة من دون اللّه، إن يرده اللّه بضر لا تغنى عنه هذه الآلهة شيئا، ولا تمد يدها لإنقاذه مما يريده اللّه به من ضر؟ {إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ}!! وأي ضلال بعد هذا الضلال، الذي يدع فيه الإنسان حبل النجاة الممدود إليه، ثم يتعلق بأمواج البحر الصاخبة، وتيارانه المتدافعة؟.
{إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ}.
وهكذا يقولها صريحة مدويّة في وجه القوم.. إنها هي كلمة النجاة، وحسبه أن يمسك بها، وليكن ما يكون..!
وألا فليسمعوها عالية مدوية متحدية.. إنها كلمة الحق التي يجب أن ترتفع فوق كل كلمة، وتعلو على كل نداء.
{قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ} هذا هو الجواب الذي تلقاه الرجل المؤمن، ردّا على إقراره بالإيمان بربه.. وهو الجزاء الذي يلقاه كل مؤمن صادق الإيمان.
والقول الذي قيل لهذا المؤمن، إما أن يكون في الحياة الدنيا، بوحي من اللّه سبحانه وتعالى، وإما أن يكون ذلك بعد الموت، حيث يعلم المرء مكانه من الجنة أو النار فيقال له يومئذ: {ادخل الجنة} فهى الدار التي أعدّها اللّه لك.
{قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ}!
إنه يتمنّى لقومه أن ينالوا هذا الخير الذي ناله، بإيمانه بربه، وأن يعلموا ما أعد اللّه للمؤمنين من مغفرة وإكرام.. وأنّى لهم أن يعلموا هذا الغيب؟
وأنّى لهم أن يؤمنوا به، وقد أنكروا ما لمسوه بحواسهم، وكذبوا ما رأوه بأعينهم؟.
هذا هو المثل، وتلك هي مواقف الشخصيات والأحداث فيه.
وعلى ضوء هذا المثل يرى المشركون الضالون، إلى أين يسير بهم كفرهم وضلالهم، وإلى أين ينتهى الإيمان بالمؤمنين الذين استجابوا لرسول اللّه، واستقاموا على الطريق الذي يدعوهم إليه!.
والصورة التي يصورها المثل واضحة مشرقة، لا ينقصها أن يفتقد اسم القرية فيها، ولا أن تغيب أسماء الرسل ومشخصاتهم.. إنها مستغنية عن كل هذا.
وإذا كان لابد من التطلع إلى ما وراء هذه الصورة، والنظر إلى موقع القرية من هذا العالم، وإلى أشخاص الرسل من بين رسل اللّه- إذا كان لابد من ذلك، فليكن النظر مقصورا على كتاب اللّه، وليكن التطلع محجوزا في هذه الحدود.. لا يتجاوزها.
وننظر في القرآن الكريم فنرى:
أولا: أن القرآن الكريم، لم يتحدث عن رسولين حملا رسالة واحدة، إلى جهة واحدة، غير موسى وهرون.
وثانيا: أن هذين الرسولين الكريمين، قد حملا رسالتهما إلى فرعون.
وثالثا: أنه قد قام من قوم فرعون رجل مؤمن، خرج على سلطان فرعون، وعلى ما كان عليه قومه من متابعة فرعون في كفره وضلاله.
ورابعا: أن القرآن الكريم، يعقد الصلة في أكثر من موضع منه، بين فرعون، وبين هؤلاء المشركين من قريش.
فإذا نظرنا إلى المثل على ضوء هذه الإشارات المضيئة من القرآن الكريم، نجد:
أولا: أن قوله تعالى: {إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما} يقبل التأويل، على أن الرسولين، هما موسى، وهرون، كما يقول تعالى: {اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى} [43: طه].
وثانيا: أن قوله تعالى: {فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ} يقابله في قصة موسى وهرون مع فرعون، حديث عظيم في القرآن العظيم، عن رجل لم يكشف القرآن عن اسمه، وإنما أشار إلى أنه من آل فرعون.. أي خاصته، وذوى قرابته.
فهو إنسان ذو شأن في المجتمع الفرعوني.. ومع هذا لم يكشف القرآن عن اسمه.. إذ ما جدوى الاسم، في مقام الوزن للقيم الإنسانية في الناس؟ إن المعتبر هنا هو الصفة لا الموصوف، وذات المسمّى لا الاسم.
يقول القرآن الكريم، عن هذا الرجل المؤمن: {وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ} [28- 34: المؤمن].
ثم تمضى الآيات، فتذكر دعوة هذا الداعي إلى اللّه.. فيقول سبحانه:
{وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ} [38- 45: المؤمن].
هذه دعوة رجل صاحب رسالة.. إنها إن لم تكن على يد رسول، فهى رسالة رسول، وحقّ لصاحبها أن يدخل في زمرة الرسل.. وهذا هو السر في التعبير القرآنى: {فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ} أي فعززنا الرسولين بثالث، وهذا يمكن أن يحمل- وهو في إطلاقه كهذا- على محملين، فيقدّر برسول ثالث، أو معين ثالث، بعد المعين الثاني، الذي كان معينا للرسول الأول، فهو تعزيز بعد تعزيز.. ولقد عزّز موسى بهارون، وكان هذا الرجل المؤمن تعزيزا لهما.
بقيت مسألة تحتاج إلى نظر.. وهى أن المثل ذكر مع الرسل الثلاثة، رجلا، كانت له دعوة إلى اللّه كدعوة هؤلاء الرسل، وأنه جاء من أقصى المدينة، وهى القرية التي جاء ذكرها في أول المثل.. وهذا الرجل يكاد يكون صورة مطابقة لمؤمن آل فرعون، الذي قلنا عنه إنه رسول، أو حوارىّ رسول. فمن هو هذا الرجل؟ وهل له مكان في قصة موسى مع فرعون؟.
ونعم، فإننا نجد في قصة موسى مع فرعون، رجلا آخر، جاء من أقصى المدينة، يسعى.. ولكنه في هذه القصة لم يكشف عن دعوة له إلى اللّه، وإنما جاء ناصحا لموسى، هاتفا به أن يخرج من المدينة، فإن الملأ يأتمرون به ليقتلوه، كما يقول تعالى في سورة القصص: {وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} (آية 20).
ولم تكن للرجل دعوة إلى اللّه هنا، لأن موسى لم يكن قد أرسل بعد.
وربما كان الرجل مؤمنا باللّه، يدين بالتوحيد عن طريق اليهودية، أو عن طريق النظر الحرّ.. وعلى أىّ فهو على غير دين فرعون.. وقد ظل الرجل على إيمانه إلى أن بعث اللّه موسى رسولا، فلما جاء موسى يدعو فرعون إلى اللّه، وعرض بين يديه تلك المعجزات، ازداد الرجل إيمانا، فأصبح داعية إلى اللّه، يدعو قومه إلى الإيمان باللّه.
وعلى هذا، فإننا نجد في القصة والمثل رجلين:
أحدهما، وهو المؤمن الذي من آل فرعون. والذي وقف مع موسى وهرون موقف الداعية إلى اللّه، وأنه كان على إيمان باللّه، ولكنه كان يكتم إيمانه خوفا من فرعون، فلما رأى أن فرعون يدبّر لقتل موسى، فزع لهذا الأمر، وأعلن إيمانه، ووقف مع موسى وهرون، يحاجّ فرعون، ويجادله، إذ كان- مع إيمانه- ذا جاء وسلطان.. إنه من آل فرعون!.
أما الرجل الآخر، فهو الذي جاء إلى موسى، قبل الرسالة، وحذّره مما يدبر له القوم، ونصح له بالفرار من المدينة.
وبهذا نرى أن أحد الرجلين، خلّص موسى من القتل بعد الرسالة، على حين أن الآخر قد خلّصه من القتل أيضا، ولكن قبل الرسالة.
ومسألة أخرى، تحتاج إلى نظر أيضا.
إذا كان هذان الرجلان هما المشار إليهما في المثل المضروب، في سورة يس باعتبار أن الرجل الذي من آل فرعون هو الرسول، أو حوارىّ الرسول، وأن الآخر هو الذي جاء من أقصى المدينة، وقال: يا قوم {اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ الآيات} إذ كان ذلك كذلك، فلم نوه القرآن الكريم في المثل المضروب بالرجل الآخر، ولم يذكر شيئا عن موقف الرجل الأول، الذي هو من آل فرعون، والذي قلنا إنه هو الذي عزّز به الرسولان الكريمان؟:
والجواب على هذا- واللّه أعلم- من وجهين:
فأولا: أنه بحسب مؤمن آل فرعون تنويها، أن يضاف إلى الرسولين الكريمين، وأن يكون له المكان الثالث معهما.. فقد رفع إلى درجة رسول.
وثانيا: وبحسبه شرفا وتكريما أن تسمى في القرآن سورة باسمه، هي سورة المؤمن والتي تسمى غافر أيضا.. وقد ذكرت في هذه السورة رسالته كلها، والتي قلنا عنها إنها رسالة رسول..!
هذا، واللّه أعلم.